مقالات

حين يتحول الاختلاف السياسي إلى إساءة شخصية

 

في كل المجتمعات الحية يبقى الاختلاف السياسي أمراً طبيعياً، بل ضرورة من ضرورات التوازن الفكري وتعدد الرؤى. غير أن ما يؤسف له حقاً هو أن يتحول هذا الاختلاف أحياناً إلى منصة للتجريح الشخصي والتقليل من الناس والطعن في كرامتهم الإنسانية.

لقد تابعت كما تابع غيري موجة التهجم التي طالت ، ولا أكتب اليوم دفاعاً عن موقف سياسي بعينه، فالمواقف السياسية تناقش وتؤيد وتعارض، وإنما أكتب دفاعاً عن الحد الأدنى من أخلاق النقاش العام.

إن من حق أي مواطن أن يرفض فكرة “المأمورية الثالثة”، ومن حقه أن ينتقد أي خطاب أو تصريح سياسي، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من ذلك بوابة للاحتقار الشخصي أو السخرية أو نزع الوطنية والكرامة عن المخالف له في الرأي.

السياسة ليست حلبة لتصفية الأحقاد، وليست امتحاناً للأخلاق يسقط فيه الجميع تحت ضغط الانفعال. فحين يعجز البعض عن مجابهة الفكرة بالفكرة، يلجؤون إلى اللغة الجارحة والعبارات المنفلتة، وكأن قوة الرأي تُقاس بحجم الإهانة لا بعمق الحجة.

إن المختلف معك سياسياً ليس عدواً، والوطن لا يحتكره تيار ولا حزب ولا شخص. كما أن احترام الإنسان لا ينبغي أن يكون مشروطاً بموقفه السياسي. فالمجتمعات التي تتآكل فيها أخلاق الحوار، تصبح فيها الكراهية أعلى صوتاً من العقل.

ثم إن الشخصيات العامة، مهما اختلفنا معها، تبقى لها حرمتها الإنسانية والاجتماعية، خاصة في مجتمع محافظ يعرف قيمة الكلمة وأثرها. وليس من الشهامة ولا من المروءة أن يتحول النقد إلى تشهير، ولا أن يصبح الخلاف السياسي مبرراً للتجرد من الإنصاف.

قد نختلف مع أو نتفق معها، لكن الواجب أن يبقى النقاش داخل حدود الاحترام، وأن تبقى الكلمة مسؤولة، لأن الأوطان لا تبنى بالصراخ، ولا تستقر بالتحقير، وإنما تبنى بعقول تعرف كيف تختلف دون أن تهدم أخلاقها في الطريق. :::

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى